بحوث التسويق في السوق المصري - الفرق بين جمع البيانات وقراءتها
السلسلة اللي بنبدأها النهاردة مش مجرد نصايح. دي خارطة طريق لأي حد عايز ينتقل من مرحلة جامع البيانات لمرحلة محلل الاستخبارات التسويقية - مبنية على تجاربنا ومشروعاتنا الفعلية في السوق.
ونبدأ من أول سؤال:
فيه اعتقاد سائد إن المعلومة بقت متاحة للجميع.
تمام. بس فيه سؤال محدش بيسأله: ليه المعلومة دي بالذات متاحة للجميع؟ ولما توصلك - هل لسه بتحمل نفس القيمة اللي كانت بتحملها لما اتولدت؟
السؤال الأهم مش: إيه الكمية اللي أنت عارفها؟
السؤال هو: إيه اللي بيحصل للمعلومة دي جوه دماغك؟ وإزاي بتوظفها على أرض الواقع؟
وهم الترتيب الأكاديمي مقابل فوضى الشارع
معظم اللي بيتكلموا في بحوث التسويق بيتكلموا من منطلق المعلومة المرتّبة: عيّنة منظمة، استمارة مقسمة، جدول نتايج نضيف.
في مدرسة الواقع الحكاية مختلفة تماماً.
المعلومة بتوصلك وسط تشويش كبير. معلومات متداخلة، مصادر خلفياتها غير متناسقة، وناس بتقولك حاجة وهي قاصدة حاجة تانية.
وهنا مينفعش تستنى لحد ما المعلومة تتنقّح. لازم يكون عندك مهارة التحليل اللحظي - إنك تقيّم وأنت واقف في الشارع، مش وأنت قاعد على المكتب بعد أسبوعين.
والسبب بسيط:
المعلومة اللي بتوصل متأخرة هي معلومة ميتة.
خصوصاً في سوق زي السوق المصري، اللي المعطيات فيه بتتغير بشكل شبه يومي المعلومة اللي كانت صح الشهر اللي فات ممكن تبقى مضلّلة النهاردة.
ليه اللي يبيع سلعة مش بالضرورة يعرف يبيع خدمة
فيه فكر سائد بيقول: "اللي يبيع حاجة يعرف يبيع كل حاجة".
ودي غلطة بتكلّف الشركات فوق ما تتخيل.
من واقع دراسات السوق اللي اشتغلناها، خليني أقولك كلمتين مباشرين:
بيع السلعة بيعتمد على منفعة مادية ملموسة، ومتقاربة بين أغلب المستهلكين المنتج هو المنتج، سواء اشتريته من هنا أو من هناك.
بيع الخدمة بيعتمد بالأساس على العنصر البشري - ووقعه النفسي بيختلف من شخص للتاني في نفس اللحظة. في الخدمات، مينفعش تفصل مقدّم الخدمة عن الخدمة نفسها.
وده مش فرق في البيع بس - ده فرق في البحث نفسه.
لما تبحث في سلعة، بتسأل عن السعر والجودة والتوافر والمنافس. لما تبحث في خدمة، بتسأل عن التجربة والثقة والانطباع واللي حصل قبل وبعد الخدمة.
مصادر المعلومة مختلفة والأسئلة مختلفة وطريقة القراءة مختلفة.
وهنا بيظهر دور بحوث التسويق الحقيقي: إنك تفهم الرعاية مش البيع بس.
بحوث التسويق كرادار لقرار الاستثمار
بحوث التسويق هي اللي بتسبق دراسة الجدوى وبتحدد اتجاهها. لو البحث غلط، الجدوى كلها هتتبني على أساس غلط — مهما كانت أرقامها مظبوطة.
وعشان كده، أهم نتيجة لبحوث التسويق مش دايماً إنك تبدأ المشروع.
أحياناً أهم نتيجة هي الشجاعة إنك تقول: متنفذش.
مثال من الميدان
اشتغلنا دراسة سوق لمشروع كان ناوي يدخل قطاع المقاولات.
نزلنا سوق المقاولات ، وجمعنا البيانات، وطلعنا بنتيجة واضحة: المنافسة في القطاع ده شرسة لدرجة إن الدخول كلاعب جديد معناه حرق رأس مال في معركة أسعار مش هيكسبها.
التوصية كانت: متدخلش كمنافس.
لكن إحنا مش وظيفتنا نقفل الباب ونمشي.
كملنا في نفس الدراسة ندوّر على الفراغ - الحتة اللي محدش قاعد فيها. ولقيناها: بدل ما ندخل نتنافس مع شركات المقاولات والتطوير، ندخل نخدمهم.
التوصية النهائية كانت: آلة ريندر.
وبكده الوضع اتقلب بالكامل:
- بدل ما شركات المقاولات تبقى منافسين → بقوا عملاء
- كل شركة تطوير في السوق بقت سوق مستهدف مش خصم
- وفي نفس الوقت، العلاقة دي بتفتح باب إن ناخد منهم مشاريع من الباطن
- وبكده بنشتغل على أكتر من اتجاه في نفس القطاع - من غير ما ندخل في معركة أصلاً
نفس القطاع. نفس رأس المال , موقع مختلف تماماً.
ولو كنا وقفنا عند "متنفذش"، كنا خسرنا الفرصة دي.
وده اللي أقصده بالضبط: البحث الكويس مش بيقولك لأ… البحث الكويس بيقولك: مش من هنا، من هنا.
6 مهارات لازم تكون في الباحث التسويقي
عشان تبقى متميز في مطاردة المعلومة واصطيادها، فيه مهارات لازم تبنيها لحد ما تتحول لجهاز تحليل لحظي بيشتغل تلقائي أول ما تتعرض لأي معلومة:
1. البحث العميق - إنك متقفش عند أول إجابة
2. الربط والملاحظة - إنك تشوف الخيط بين معلومتين مالهمش علاقة ظاهرية
3. طرح الأسئلة - السؤال الصح بيجيب معلومة، والسؤال الغلط بيجيب مجاملة
4. التفاوض المعلوماتي - إن اللي قدامك يديك اللي عنده وهو مرتاح
5. الاستماع بشقيه النشط والفعّال - وفيه فرق كبير بينهم
6. التقييم اللحظي للأشخاص - عشان تبني هيكل اتصال يحوّل البحث من بيانات لاستخبارات
وكل مهارة فيهم هنشرحها بالتفصيل في مقال منفصل بإذن الله.
الخلاصة
بحوث التسويق مش مجرد قسم في الشركة، ولا خدمة خارجية بتتطلب لما تحتاجها.
دي آلية تفكير يومية - بتحوّل الأرقام والمعلومات الصمّاء لرؤية بتحمي البيزنس من الأزمات المفاجئة، وبتفتح له اتجاهات ما كانش شايفها.
والفرق بين اللي بيجمع بيانات واللي بيقرأها، هو نفسه الفرق بين اللي بيدخل معركة… واللي بيلاقي الطريق اللي محدش واقف فيه.
وخليني أسيبك بسؤال للمقال الجاي:
هل فعلاً فيه بحوث تسويق أون لاين؟